|
تعتبر الموسيقى التصويرية، من أهم عناصر العرض المسرحي،
فكيف يرى الفنان خالد مندى العلاقة بين المسرح
والموسيقى؟
العلاقة بين الاثنين علاقة متمازجة وتأخذ امتدادها
التاريخي منذ القدم، وبأشكال متعددة، تتغيّر
بتغيّر الحقبة التاريخية ومدى التطوّر في الشكلين
الموسيقي والمسرحي لدى المجتمعات، فعادة
رقصة الحرب أو الصيد لدى الشعوب البدائية مثلاً كانت
شكلاً من أشكال هذه العلاقة بين المسرح
والموسيقى، وتطوّرت لدى مجتمعات أكثر تطوّراً في
المسرح اليوناني، حتى كان الشكل الأكثر تطوراً
وهو المسرح الأوبرالي، الذي يقوم أساساً على
التناغم بين هذين الشكلين الثقافيين في علاقة
تبادلية فنية.
أضف إلى ذلك أن الإنسان اكتشف هذه العلاقة بين
الفعل/ الحركة، وبين الصوت/ الموسيقى، ليصنع
من ذلك تراثاً إنسانياً قد يتخذ شكلاً من
أشكال الألعاب الشعبية، أو الرقصات الشعبية، وهذا
الرقص هو بالتأكيد شكل من أشكال المسرح لما فيه من
الحركة والموقف الدرامي وإن بشكله البسيط، وأضاف
الإنسان إلى ذلك مؤثراً موسيقياً اتخذ في بعض
الأحيان الصوت البشري آلة له، وفي أحيان
أخرى دخلت الآلة الموسيقية البدائية البسيطة في خلق
التأثير الموسيقي على الموقف الدرامي الراقص
ليعبّر عن هذه الحالة، وليكتشف أثر الموسيقى في
صناعة الفضاء الصوتي المصاحب لعملية الرقص
المسرحي (البدائية تلك).
من هنا فإن رصد العلاقة بين المسرح والموسيقى لا
يمكن أن يتم بعزل الاثنين عن بعضهما، لأن
العلاقة بينهما تقوم أساساً على هذا التلاحم
البنائي والتاريخ الإنساني المشترك.
كيف تنظر لتجارب الموسيقى التصويرية للأعمال
الدرامية البحرينية، سواء المسرحية أو
التلفزيونية أو السينمائية؟
نفتقد في البحرين هذا الشكل من التوظيف الصحيح
للموسيقى في العمل المسرحي، أي توظيف
الموسيقى كشكل من أشكال التأثير العاطفي والنفسي
للمتلّقي، من خلال الربط بين العناصر الثلاثة
المكوّنة وهي المشهد أو الحالة والمؤثر وهي الموسيقى،
والمتلقّي، فالعملية عندنا ليست سوى عملية
اعتباطية بعض الشيء، أو فلنقل في أعمال كثيرة،
عوضاً عن ذلك أخذ المسرح التجاري جانباً آخر
من حيث العلاقة مع الموسيقى، عبر تعالقه مع
الأغنية كشكل من أشكال الموسيقى، وذلك لخفّتها
وتلاؤمها مع جو المسرح التجاري.
وهنالك أيضاً إشكالية مهمة أخرى تتعلق بفهم
القائم الأساسي على عملية تأليف الموسيقى
التصويرية في العمل الدرامي، فغالباً ما
توكل أعمال التأليف الموسيقي الدرامي سواء في
المسرح أو في التلفزيون في البحرين وفي الخليج
عموماً للملحن لا المؤلف الموسيقي، وهذا خطأ
شائع عندنا، في حين أن الملحن غير معني أساساً
بعملية التأليف الموسيقي، بل هو معني بإعطاء
جملة شعرية ما شكلاً لحنياً ، في حين أن
المؤلف الموسيقي هو الأقدر لكونه المختص الحقيقي
على تحسس الحالة الشعورية والدرامية داخل المشهد
وصنع الموسيقى الموائمة لها، والقادرة على
التناغم بشكل أكثر توافقياً مع المشهد الدرامي.
بالنسبة لرؤيتي الحالية للموسيقى الداخلة في الأعمال
المسرحية البحرينية، فأنا مبتعد قليلاً عن
المسرح حالياً، ولا أستطيع أن أتحدث بإلمام عن
الحالة المسرحية الحالية، ولكن قد آخذ بشكل من
أشكال التلاقي بين الموسيقى والتلفزيون قادر على
التوضيح بشكل بارز وظاهر على عملية الفهم الخاطئ
لمفهوم التأليف الموسيقي في الأعمال الدرامية،
وهو شكل تتر المقدمة الموسيقية في المسلسلات
التلفزيونية، أو حتى أغنية المقدمة أو الأغاني
الداخلة كجزء من العمل الدرامي، فحين تلاحظها
تسمع لحناً جميلاً يؤديه مطرب ما بشكل جميل
أيضاً، ولكنك لا تشعر بالحالة الدرامية التي من
المفترض أن تمثّلها هذه الأغاني باعتبارها جزءاً
من العمل الدرامي. والتي من المفترض أيضاً أن
تكون قد وجدت أساساً لتفعيله، في حين لو
عدنا بالزمن قليلاً لأعمال مثل (البيت العود)
و(حزاوي الدار) و(ملفى الأياويد) لاكتشفنا
كيف أن الأعمال الغنائية في مثل هذه المسلسلات
كانت أعمالاً تكوّن جزءاً من النسيج الدرامي
للعمل، وتعامل معها المؤلف الموسيقي والمخرج
التلفزيوني كبنية أسياسية في العمل الدرامي،
لا كمظهر خارجي منبتّ عن العمل الدرامي.
تكاليف التسجيل تضاعفت
كيف قامت علاقتك بالموسيقى، وكيف هي علاقتك
بالمسرح، وكيف ترى قدرتك على الربط بينهما؟
نشأت في بيئة مسرحية وفنية، فقد نشأت على
متابعة عروض مسرحية من النوع الثقيل في فترة
الثمانينات والتسعينات، حين كان الفنان عبد الله
ملك والفنان إبراهيم خلفان والفنان إبراهيم بحر يقدمون
عروضهم الساحرة، ولفترة ما قبل الدراسة
الموسيقية المتخصصة في الكويت كنت أمارس المكياج
المسرحي مع والدي الفنان الماكير عبد العزيز
مندي، وتزامن هذا الولع بالمسرح مع ولعي بالموسيقى،
وكان هذان الهاجسان يتنازعاني، فقد كنت أدرس
الموسيقى من خلال المعاهد الخاصة هنا في البحرين
والذي وفّر لي والدي فرصة الدراسة فيها، في
حين كانت غواية المسرح تأخذني حين كنت أعمل
مع والدي في المسرحيات البحرينية، حتى جاءت
فرصة الدراسة الموسيقية المتخصصة في الكويت، التي
واكبتها أيضاً تجارب تلاقيت فيها كموسيقي مع
المسرح، من خلال العمل مع بعض الشباب من دارسي
الفنون المسرحية هناك، فكانت لي تجربة مع
الفنان جمال الغيلان من خلال تأليف وعزف الموسيقى
التصويرية لمشروع تخرّجه، حيث ألفّت الموسيقى
التصويرية لمشروعه، بالإضافة إلى أنني كنتُ أعزف
بشكل حي على المسرح على أربع آلات موسيقية هي العود
والأورج والكمان والجيتار، وكذلك تجربة أخرى
مع الفنان جمال الصقر في مسرحية (سراديب).
وهناك أيضاً كانت لي تجربة كبيرة صنعت بشكل
كبير فهمي لمفهوم الموسيقى التصويرية في العمل
الدرامي، كانت هذه التجربة في مسرحية (موكب
السمك) مع الفنان والمخرج السوري الكبير فايز
قزق، الذي أدخلني في صلب العملية المسرحية
ليوصل لي معنى البناء الدرامي في الموسيقى
التصويرية، أو في الأغنية الدرامية، وأدخلني
في هذا المختبر المسرحي الجميل كممثل من أجل
أن أستوعب من الداخل الدرامي هذا الكيان وكيفية
خلقه وتأسيسه، واعتبرت هذه التجربة كدرس إضافي
لدراستي الموسيقى.
كذلك كانت لي تجربة صعبة أيضاً مع الفنان
المخرج أحمد يعقوب المقلة من خلال فيلم تلفزيوني
مدّته الزمنية حوالي نصف ساعة ، كانت
الموسيقى التصويرية فيه هي المتسيّدة، حيث كان
خالٍ تماماً من الحوارات. وتطلّب مني الإشتغال
عليه جهداً كبيراً لترجمة الحالات والمشاهد
لموسيقى ومؤثرات صوتية.
لماذا لم تتركّز للآن تجارب الموسيقى التصويرية في
المسرح البحريني، رغم ما أوجدته التكنولوجيا
الحديثة من حلول لما كان يشكّل سابقاً عائقاً
مادياً لإدخال المسرح البحريني في زمن
التخصص الموسيقي؟
المسرح القادر على دفع تكاليف تسجيل الموسيقى
وأجور العازفين حالياً هو المسرح التجاري، أما
المسرح الجاد فبرغم أن التكنولوجيا الحديثة أوجدت
بعض الحلول، إلا أن تكاليف التسجيل الموسيقي قد
تضاعفت حالياً، وأجور العازفين كذلك، وهذا يشكّل
عبئاً لا يستطيعه المسرح الفقير، وهذا
المسرح التجاري لا يعنى أساساً بالموسيقى
التصويرية في العمل الدرامي، ولا حتى بدرامية
الأغنية التي يستخدمها عادةً في المسرح.
لا وجود لكيان عام يجمع الفنانين
هنالك ظاهرة ثقافية بحرينية، وهي أن أكثر
المثقفين البحرينيين لا يهتمون سوى بالجانب الذي
يعنيهم من الثقافة، ولا يرون في الثقافة
والفنون كياناً عامّاً، فالكتاب لا يهتمون
بالحركة المسرحية، والمسرحيون لا يلتفتون
للجانب الموسيقي من الثقافة، والموسيقيون لا
ينظرون للهمّ الكتابي.
هذا التباعد الثقافي، ألا يشكّل سبباً من
أسباب تهميش الموسيقى في العمل المسرحي؟
برغم أنها ظاهرة سيئة، وبرغم أننا ضدّها بالطبع
لكن لو تأملت المشهد بشكل واقعي أكثر، وبحثت
عن أسباب هذه الظاهرة الحقيقية لا تلك الأسباب
السطحية، لرأيت أن أهم أسباب هذه الظاهرة تكمن
في أنه لا وجود لكيان عام يجمع المثقفين
والفنانين البحرينيين، فحالة العزلة الثقافية
التي تتحدث عنها رغم إيماني بوجودها وبخطورتها
إلا أنها ليست تناج عدم اهتمام من المثقف البحريني
بل نتاج لوضع المثقف والفنان، الذي يعمل
دائماً بشكل فردي على تنمية التجربة الذاتية
في وضع غير مؤهل لممارسة الثقافة، ونظراً لظروف
العمل التي تجبر الفنان والمثقف البحريني على
أن ينطوي على تجربته الذاتية إن أراد أن ينميها،
فلا يستطيع أن يستغل الوقت المتبقي له من
اليوم بعد العمل في متابعة تجارب الآخرين، لذلك
فتفريغ الفنان والمبدع أمر لازم لتلافي هذه
الظاهرة، بالإضافة لإيجاد كيان عام يضمّ الفنانين
البحرينيين، وإيجاد بيئة قادرة على تنمية
الثقافة.
وهنالك أيضاً ذلك الركود الإعلامي في الإعلان
عن الفعاليات الثقافية، والتجاهل المستمر للفنان
من قبل بعض المؤسسات الثقافية في الدعوات، فتتم
الفعاليات دون أن يدري عنها الفنان، أو أن
يعرف عنها في اللحظات الأخيرة.
نعم هذا سبب من أسباب تهميش الموسيقى في العمل
المسرحي، ولكنه نتيجة من نتائج وضع ثقافي خاطئ
يجب تصحيحه، ثم النظر بعد ذلك إن كانت هذه
القطيعة ستستمرّ.
لماذا لا يزال المخرج المسرحي البحريني يختار
موسيقاه التصويرية للعمل المسرحي بنفسه من
الموسيقى العربية أو العالمية، ولماذا - إن لم
يكن المجال بعد متاحاً لعمل موسيقى بحرينية
للعمل البحريني - لا تُعطى مهمة اختيار الموسيقى
التصويرية أو المؤثرات الموسيقية لشخص موسيقي قادر
على اختيار موسيقى متناغمة على الأقل في كل
العمل المسرحي، بدلاً عن هذا التنوّع
الاعتباطي في المؤثرات الموسيقية للأعمال
البحرينية؟
ربما يكون هذا الأمر نتيجة جهل من المخرج
المسرحي، أو تسرّع وعدم وعي بأهمية التوافق
الموسيقي في العمل المسرحي، فالموسيقى
التصويرية في العمل الدرامي هي كلّ برغم
تجزئتها على حالات ومشاهد، وإيجاد هذا التوافق
يحتاج لأذن موسيقية مدرّبة، تستطيع أن تؤلّف من
مجموعة من المقطوعات والمعزوفات كلاً عاماً، برغم
أني لا أميل لاستغلال الموسيقى الجاهزة في العمل
الدرامي حالياً نظراً لمحظورات مثل هذا
الاستخدام من سرقة لحقوق المؤلف الموسيقي، وهذه
النقطة أيضاً تدلّل على جهل المخرج المسرحي بأهمية
حقوق المؤلف.
يتهم بعض المسرحيون الموسيقيين البحرينيين
بأنهم ماديين جدّاً، وأن السبب في هذه القطيعة
بين المسرح والموسيقى البحرينيين، تلك الرغبة في
الربح التي تسيطر على الموسيقيين دون مراعاة
الفعل الإبداعي في عملية التواصل؟
لا أريد أن أنفي تلك المادية عن كل الموسيقيين،
إلا أن نسبة قليلة من الموسيقيين يتجه بهذا
الاتجاه، فيحتسب تكلفة خيالية للعمل الموسيقي،
بينما يقوم بتنفيذه بشكل بسيط جداً وعلى آلة
واحدة هي آلة الأورج، وربما على المسرحي أن
يحدد ميزانيته للعمل، فالإنتاج الموسيقي تختلف
تكلفته باختلاف أسلوب إنتاجه.
هل تحتاج عملية التواصل بين هذين الشكلين
الفنيين إلى دعمٍ من جهاتٍ رسمية، أم أن
التواصل الفني بين الفنانين جدير وقادر على رأب
الصدع القائم بينهما؟
ليست المسألة رغبة فردية في التواصل وحسب، ولكن
هنالك كياناً ثقافياً عاماً يجب التخطيط له
ليتابع مسيرته وفق خطة مرسومة، تأخذ بعين
الاعتبار كل الظروف التي تمنع الفنان أو المثقف
من حضور الفعاليات الثقافية، وتأخذ بعين
الاعتبار تنمية الثقافة في المجتمع أيضاً لحضور
هذه الفعاليات.
|